السيد محمد حسين الطهراني
28
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
لتزول بزوال الحسّ والخيال . واستناداً إلى هذا الأساس الذي بُيِّن فإنّه لم يستفد أحد لحدّ الآن من التقدّم العلميّ المادّيّ والطبيعيّ والتجريبيّ في الهيئة والنجوم والطبيعيّات ، وتسخير النور والأمواج الكهربائيّة ، وفلق الذرّة ، والحركة إلى القمر ، وبالاستمداد من التقدّم الصناعيّ والطبّيّ المدهش ، ومن سائر العلوم ، من الأبحاث النفسيّة والحقوقيّة ، ومن العلوم الخارجة عن الطبع والطبيعة ، وبالاتّصال بعالم النفس ، لم يمكنه بهذا كلّه أن يأتي بموضوع أسمى وأفضل من القرآن . بل كان الكلّ خاضعين خاشعين ومسلّمين معترفين باحتياجهم للقرآن ، وبأن لا فائدة من التقدّم في هذه العلوم المادّيّة والطبيعيّة لنجاة البشريّة من سجن الجهل ، إن تمّ ذلك بمعزل عن متابعة تعاليم القرآن السامية ، بل سيزيد ذلك الطين بلّة والمشكلة تعقيداً . وهذا هو معنى عزّة القرآن الذي يمثّل كلام الخالق ، فهو لا يتراجع ولا يهتزّ أمام المنطق والفرضيّات التي تواجهه ، بل هو ثابت راسخ ، قائم بنفسه ، دائم على كرّ الدهور ، مضيء كالمصباح المنير في سجن الجهل ، وكالشمس التي تستوعب العالم وتنيره بأشعّتها وضيائها ، وهو معنى عدم ورود الباطل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . وليس من منهج القرآن تخويف الناس وإرعابهم باستمرار ، فيدفعهم ذلك إلى حافّة القنوط ، أو ترغيبهم حتى يصلوا إلى حافّة التمادي والطغيان . يقول الله سبحانه ، بعد الآية السالفة . ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ . فلو جئنا بهذا القرآن بلغات مبهمة مضطربة غير مُبَيَّنة مليئة بالألغاز والأحاجي ، ولو جئنا به بلسان عييّ غير فصيح ، أو بغير اللسان العربيّ